التخطي إلى المحتوى

بالعربي / حدث أن – أبا جعفر – المنصور سمر ذات ليلة، فذكر خلفاء بني أمية وسيرتهم، وأنهم لم يزالوا على استقامة حتى أفضى أمرهم إلى أبنائهم المترفين (القاموس المحيط: أترفته النعمة: أطغته)، فكان همهم من عظيم شأن الملك وجلالة قدره قصد الشهوات، وإيثار اللذات، والدخول في معاصي الله عز وجل ومساخطه، جهلاً منهم باستدراج الله تعالى، وأمنًا من مكره تعالى، فسلبهم الله تعالى الملك والعز، ونقل عنهم النعمة .

فقال صالح بن علي لأبي جعفر : يا أمير المؤمنين إن عبد الله بن مروان لما دخل أرض النوبة هاربًا فيمن اتبعه، سأل ملك النوبة عنهم، فأخبر، فركب إلى عبد الله فكلمه بكلام عجيب في هذا النحو لا أحفظه، وأزعجه (أي: أخرجه) عن بلده، فإن رأى أمير المؤمنين أن يدعو به من الحبس بحضرتنا في هذه الليلة ويسأله عن ذلك .

فأمر المنصور بإحضاره وسأله عن القصة .

فقال : يا أمير المؤمنين قدمت أرض النوبة بأثاث سلم لي فافترشته بها وأقمت ثلاثًا، فأتاني ملك النوبة – وقد خبر أمرنا – فدخل علي رجل طوال، أقنى (مرتفع أعلى الأنف مع احديداب وسطه، حسن الوجه، فقعد على الأرض ولم يقرب الثياب .

فقلت : ما يمنعك أن تقعد على ثيابنا ؟

فقال : إني ملك، وحق على كل ملك أن يتواضع لعظمة الله جل وعز إذ رفعه الله !

ثم أقبل علي فقال لي : لم تشربون الخمور، وهي محرمة عليكم في كتابكم ؟

فقلت : اجترأ على ذلك عبيدنا وسفهاؤنا .

قال : فلم تطؤون الزروع بدوابكم، والفساد محرم عليكم في كتابكم ؟

قلت : يفعل ذلك جهالنا .

قال : فلم تلبسون الديباج والحرير وتستعملون الذهب والفضة، وهو محرم عليكم ؟

فقلت : زال عنا الملك، وقل أنصارنا، فانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا فلبسوا ذلك على الكره منا .

فأطرق مليًا (مدة طويلة)، وجعل يقلب يده وينكت في الأرض، ثم قال : ليس ذلك كما ذكرته، بل أنتم قوم استحللتم ما حرم عليكم، فسلبكم الله العز، وألبسكم الذل بذنوبكم، ولله تعالى فيكم نقمة لم تبلغ نهايتها، وأخاف أن يحل بكم العذاب وأنتم ببلدي، فيصيبني معكم، وإنما الضيافة ثلاثة، فتزودوا ما احتجتم إليه، وارتحلوا عن بلدي .

ففعلت ذلك 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *